سعيد فاروق النحاس.. مفكر مصري يخوض معركة استرداد الوعي والتاريخ
في زمن تتصارع فيه الروايات التاريخية، وتتشابك فيه السياسة بالهوية، يبرز اسم سعيد فاروق النحاس كأحد الأصوات الفكرية المصرية الحرة التي اختارت أن تخوض معركة مختلفة؛ معركة الوعي واسترداد الرواية المصرية الأصيلة للتاريخ القديم، بعيدًا عن الهيمنة الغربية والتفسيرات التوراتية التي سيطرت لعقود طويلة على قراءة الحضارة المصرية.
ولد ويعيش سعيد فاروق النحاس في محافظة بني سويف بصعيد مصر، تلك الأرض التي طالما ارتبطت بالعمق الحضاري والروح المصرية الخالصة، وهو ما انعكس بوضوح على مشروعه الفكري الذي يتمحور حول “تحرير الوعي المصري” وإعادة امتلاك المصريين لمفاتيح تاريخهم وهويتهم الحضارية.
ومنذ سنوات، كرّس النحاس جهده للبحث والتنقيب الفكري، ليس فقط في النصوص التاريخية، بل في الطريقة التي كُتب بها التاريخ نفسه، مؤمنًا بأن أخطر أنواع الاستعمار ليس احتلال الأرض، بل احتلال الوعي، وفرض سرديات تخدم مصالح سياسية وأيديولوجية بعينها.
مشروع فكري يعيد قراءة التاريخ
ينطلق سعيد فاروق النحاس من رؤية تعتبر أن التاريخ المصري القديم تعرض لعملية “إعادة تشكيل معرفي” عبر مدارس أكاديمية غربية ربطت كثيرًا من أحداثه بالنصوص التوراتية، وهو ما أدى – بحسب رؤيته – إلى تشويه جزء كبير من الحقائق التاريخية والجغرافية المتعلقة بمصر القديمة.
ولهذا يتبنى النحاس ما يسميه “المنهج السياقي متعدد التخصصات”، وهو منهج يقوم على الربط بين علوم متعددة لفهم التاريخ بصورة أشمل وأكثر دقة، حيث لا يتعامل مع الآثار باعتبارها مجرد أحجار صامتة، بل يربط بين علم الآثار، وطبقات الأرض، والدراسات المناخية، والنصوص الدينية، والتحليل السوسيولوجي والفلسفي.
ويؤكد في مشروعه أن أي قراءة حقيقية للتاريخ لا يمكن أن تتم بمعزل عن السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تشكلت داخله الأحداث، وهو ما جعله يطرح رؤى مغايرة للعديد من القضايا التاريخية الشائكة.
تفكيك السرديات التوراتية والجغرافيا السياسية للتاريخ
واحدة من أبرز القضايا التي شغلت سعيد النحاس هي إعادة فحص العلاقة بين التاريخ المصري القديم والروايات التوراتية، حيث يسعى إلى تفكيك ما يصفه بـ”الجغرافيا السياسية للتاريخ”، خاصة فيما يتعلق بقصة الخروج وفرعون موسى.
ويرى النحاس أن كثيرًا من القراءات التقليدية حملت المصريين القدماء، وخاصة ملوك الرعامسة، مسؤوليات تاريخية لا تستند إلى أدلة أثرية حاسمة، بل تأسست على تفسيرات موروثة تم توظيفها سياسيًا عبر الزمن.
ومن خلال كتابه “نقوش في جدار الكراهية: قراءة جديدة لهوية فرعون موسى”، يقدم رؤية مختلفة يعتبر فيها أن فرعون المواجهة لم يكن أحد ملوك الرعامسة كما هو شائع، بل الملك الهكسوسي “خيان”، مستندًا – بحسب طرحه – إلى شواهد أثرية وسياقات تاريخية مرتبطة بنهاية عصر الهكسوس.
ويذهب النحاس إلى أن إعادة قراءة هذه المرحلة لا تتعلق بالماضي فقط، بل بالحاضر أيضًا، إذ يرى أن توظيف التاريخ بشكل منحاز ساهم في بناء تصورات سياسية معاصرة، من بينها بعض الأساطير المرتبطة بمشروع “إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات”.
سوسيولوجيا الخلود.. قراءة فلسفية للدين والمجتمع
ولم تتوقف اهتمامات سعيد فاروق النحاس عند إعادة قراءة التاريخ السياسي فقط، بل امتدت إلى دراسة تطور الوعي الديني والاجتماعي في مصر القديمة، من خلال مشروعه الفكري “سوسيولوجيا الخلود”.
وفي كتابه “صكوك الخلود… من المقبرة إلى الصليب”، يقدم النحاس قراءة فلسفية واجتماعية لفكرة الخلود عند المصري القديم، متتبعًا كيف تطورت من حق إنساني مفتوح للجميع إلى منظومة احتكارية تديرها المؤسسة الكهنوتية.
ويرى أن الكهنوت مع مرور الزمن نجح في تحويل فكرة النجاة في العالم الآخر إلى “اقتصاد ديني” قائم على الوساطة والطقوس والامتيازات الطبقية، وهو ما أدى إلى تعقيد العلاقة بين الإنسان والآخرة.
كما يطرح رؤية تعتبر أن ثورة إخناتون لم تكن مجرد تحول ديني نحو التوحيد، بل محاولة سياسية أيضًا لكسر احتكار الكهنة للسلطة الروحية والاقتصادية، قبل أن تأتي المسيحية لاحقًا – وفق تحليله – لتطرح مفهومًا مختلفًا يقوم على إسقاط الوسيط الكهنوتي بين الإنسان والخلاص.
بين الفكر والأدب.. روح إنسانية لا تغيب
ورغم الطابع الفكري والبحثي العميق لمؤلفات سعيد النحاس، فإن الجانب الإنساني والأدبي حاضر بقوة في أعماله، حيث لا يكتفي بالتحليل الأكاديمي الجاف، بل يمزج بين الفكر واللغة الأدبية التي تمنح النص روحًا ومشاعر.
ومن أبرز أعماله الأدبية رواية “حنان”، التي أهداها – كما يصف – إلى “النفوس الذهبية ومحبي الإنسانية”، وهي رواية تحمل طابعًا وجدانيًا وإنسانيًا يعكس اهتمامه بالعلاقات البشرية وقيم الرحمة والاحتواء.
كما أصدر المجموعة القصصية “كيمت لا تموت”، التي تستلهم روح مصر القديمة وتعكس ارتباطه العميق بالحضارة المصرية، وإيمانه بأن “كيمت” ليست مجرد حضارة انتهت، بل روح ممتدة داخل الشخصية المصرية حتى اليوم.
رسالة وعي لا تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة
ما يميز مشروع سعيد فاروق النحاس أنه لا يطرح نفسه باعتباره صاحب الحقيقة النهائية، بل يعتبر أفكاره محاولة لتحريك المياه الراكدة داخل المؤسسات الأكاديمية التقليدية، ودعوة لإعادة البحث والنقاش بحرية.
ويصف قلمه بأنه “حجر كبير يُلقى في مياه الأكاديميا العجوز”، في محاولة لإيقاظ الأسئلة المؤجلة، وفتح المجال أمام قراءة مصرية مستقلة لتاريخ مصر القديم، بعيدًا عن التبعية الفكرية.
كما يؤكد دائمًا أن التاريخ ليس ملكًا لمدرسة واحدة أو رواية واحدة، وأن من حق المصريين أن يقرأوا تاريخهم بأعينهم هم، لا من خلال عدسات الآخر، معتبرًا أن استرداد الوعي بالتاريخ جزء أساسي من استرداد الهوية والسيادة الثقافية.
ويمثل سعيد فاروق النحاس نموذجًا للمثقف المصري الذي يحاول الجمع بين البحث الحر، والطرح الجريء، والانتماء الحقيقي للهوية الوطنية، في رحلة فكرية هدفها الأساسي إعادة فتح الأسئلة الكبرى حول التاريخ والوعي والإنسان.
ولمتابعة الكاتب والمفكر سعيد فاروق النحاس يمكن زيارة صفحته الرسمية على Facebook
